تونس نادي القصّة :      مجلّة قصص الالكترونيّة      الإشراف الأدبي :      أحمد ممّو ، الناصر التومي ، يوسف عبد العاطي، محمد الجابلّي، نورالدين بن بلقاسم      الإشراف الفنّي :      فتحي البوكاري      البريد الالكتروني للمشرف الأدبي :      kissas.tn@gmail.com      البريد الإلكتروني للمشرف الفنّي :      fethi.boukari@gmail.com      جلسات النادي الأسبوعيّة :      كلّ يوم سبت على الساعة الرابعة بعد الزوال

القائمة الرئيسيّة

« عم سعيد في باب سويقة » بفضاء نادي القصّة: طباعة

نثر ساسة وتسجيل لعهد


                                                   فتحي البوكاري

     الرشيد إدريس وجه من وجوه الفكر والسياسة والأدب في تونس، من مواليد العاصمة في 27  جانفي 1917، زاول تعلّمه بالمدرسة الصادقية وتحصّل على شهادة انتهاء الدروس، وفي سنة  1937التحق بإدارة المال وعمل مترجما بها. عمل ضمن الشبيبة المدرسيّة وشارك في حركة النضال الوطني في صفوف الحزب الحر الدستوري إلى جانب الزعيم الحبيب بورقيبة، ووقع اعتقاله وسجنه عدّة مرّات: سنة 1938 إثر حوادث 9 أفريل ثمّ سنة 1940. وغادر التراب الوطني إلى المنفى سنة 1946 وحكم عليه أثناء ذلك بالإعدام غيابيا. عيّن سنة 1956 ملحقا بديوان الرئيس في أوّل حكومة لتونس المستقلّة ثمّ أشرف على قسم إفريقيا – آسيا بوزارة الخارجيّة. انتخب عضوا بالمجلس التأسيسي وشارك في إعلان الجمهوريّة سنة 1957 وفي نفس السنة عيّن وزيرا للبريد والبرق والهاتف. انتخب سنة 1959 نائبا بمجلس الأمّة وعضوا بالديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد. عيّن سفيرا بواشنطن ومكسيكو من سنة  1964إلى سنة 1969 ثمّ ممثّلا قارا لتونس لدى الأمم المتّحدة بنيويورك. سنة 1980  مثّل تونس في لجنة مراجعة ميثاق الأمم المتّحدة وأسّس جمعية الدراسات الدوليّة وترأسها ويدير مجلّة « الدراسات الدولية » الصادرة عنها. عيّن سنة 1991 رئيسا للهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. وكلّفه الأمين العام لجامعة الدول العربيّة بقضيّة المحتجزين الكويتيين بالعراق. متحصّل على عدّة أوسمة تونسيّة وعربيّة وأجنبيّة. عضو اتحاد الكتّاب التونسيين منذ سنة 1980. كتب المقالة الصحفيّة والدراسة التاريخيّة والقصّة والشعر وأدب الرحلة وأصدر العديد من الكتب باللغتين العربية والفرنسية كـ«من باب سويقة إلى منهاتن»(ذكريات 1980) ، « A l'aube de la lanterne»( فانوس العمر، ذكريات 1981) ،  «ذكريات المغرب العربي في القاهرة»( مذكرات 1981) ، «من جاكرتا إلى قرطاج» (مذكرات 1985)، «Errances »( متاهات ، شعر 1990)  «أرق على ورق»( قصّة 1990)  ،« Reflet d'un combat» (انعكاس الكفاح ، مذكرات 1996)، « Au gré du Calame»(من وحي القلم ، شعر 1997)، « في طريق الجمهوريّة »( مذكرات 2001)، «السالي هرب» (قصّة 2003) و «قتيل الحمامات»(قصّة بوليسية)، « خيار العمر» ( مذكرات ). هذا الرجل، كما قدّمه الأديب رضوان الكوني، من الساسة الأول الذي أشعرنا وحبّبنا في قراءة نثر الساسة وجذبنا إلى كتاباتهم. هذا الرجل الذي تردّد اسمه في المحافل الدوليّة مدافعا عن القضيّة الوطنيّة قد أجمع كل الحاضرين في اللقاء الأدبي الاستثنائي الذي نظّمه النادي الثقافي أبو القاسم الشابي، عشيّة يوم الجمعة  27 جوان 2008 بفضاء نادي القصّة بالوردية على أنّه شخصية وطنيّة يناضل على جبهتين، حسب تعبير محمد الهادي المطوي، وطنيّة سياسيّة من جهة وأدبيّة من جهة أخرى.

     سعد نادي القصّة، إذن، باستقباله في رحابه لتقديم نموذج من كتاباته، مناقشة قصّته  «عم سعيد في باب سويقة» (2008) المندرجة ضمن الأدب السردي القصصي. وقد سبق للأستاذ الرشيد إدريس أن زار هذا النادي، قبل عقدين ونصف من الزمن، وقدّم فيه محاضرة حول الحركة الوطنية في المهجر. ذكر ذلك الأديب يحيى محمد وعاد بالحاضرين إلى مكتب المغرب العربي بالقاهرة حيث أبلى الأستاذ الرشيد إدريس البلاء الحسن وقام بسعي محمود لكسب دعم دول قارة آسيا بصفة عامّة وأندونيسيا والباكستان بصفة خاصة للقضيّة التونسيّة ومساندتها لها. فهو بداية افتتاح السفارة التونسيّة بواشنطن وهو بداية البعثة الدبلوماسية بنيويورك وهو من اكتشف مؤامرة التصنّت بالهاتف على الحركة الجزائريّة وما أعقب ذلك من ضجّة حيث كُلّف الزعيم أحمد التليلي بمتابعة هذه القضيّة. إضافة إلى الدعاية والإشهار لموطنه الخاصّ ربض باب سويقة.
     وفي كلمته التي ألقاها تحت عنوان «الرشيد إدريس الدبلوماسي الأديب»، تحدّث الأديب الطيب الفقيه أحمد عن هجرة الأستاذ الرشيد إدريس، أثناء الحرب العالميّة الثانية، إلى الشرق ومساهمته في بعث مكتب المغرب العربي بالقاهرة (1952-1946) وعودته إلى تونس سنة  1955إثر الإعلان عن الاستقلال الداخلي وإشرافه على إدارة جريدة العمل. واقترح الطيب الفقيه إضافة الرشيد إدريس إلى زمرة من سبقوه من الأدباء الدبلوماسيين الذين سبقوه في مجالات الفكر والثقافة والإبداع مثل محمد العروسي المطوي والحبيب عباس والحبيب نويرة والشاذلي زوكار.

      كلّ ما قُدّم كان طيّبا ولكن ماذا بخصوص موضوع المناقشة، قصّة « عم سعيد في باب سويقة »؟ هل وقع انحراف في مسار اللقاء؟

      في الحقيقة ، كان مقرّرا أن يتكفّل الأستاذ سالم اللبّان ( يشتغل بقطاع الإعلام والاتّصال) بتقديم دراسة أدبية حول القصّة غير أنّه فاجأ الجميع بقراءة مطوّلة، تخرج عن السائد والمألوف أنزعج لها البعض وطرب لها آخرون. انزعج لها من لم يطّلع على القصّة وكان ينتظر من سالم اللبان أن يقرّبها إليه متحدّثا عن محتواها وشكلها وشخوصها ومواطن الإبداع فيها غير أنّ مداخلته راوغتهم إلى استعادة شخصيات ورقيّة لثلاثة نصوص سرديّة للأستاذ الرشيد إدريس وإنطاقها في محاكمة للمؤلّف في قالب قصصي شيّق وأسلوب روائي فلم يستطيعوا أن يميزوا خيط الكاتب الأبيض من خيط القارئ الأسود. وقال عنها الأستاذ الرشيد إدريس إنّها فاجأته وأطربته ولا أدري هل أعجبته حقّا أم هي الدبلوماسيّة تجري دما في عروقه؟ على كلّ حال، عندما أخبرني سالم اللبّان في اتّصال هاتفي بعد اللقاء ما قام به بالضبط استحسنت ما فعله وملت إلى كون الأستاذ الرشيد إدريس لم يجامل في ما قاله وإن كنت أعتقد جازما أنّ  التزام وتقيّد سالم اللبّان بنصّ سردي أسبوعيّ في سنته السردية هذه على موقعه بالانترنيت قد اضطرّه قسرا إلى  السعي خلف هذه الطريقة لينال  صيدا مزدوجا بضربة يد واحدة.

    « عم سعيد في باب سويقة » هي قصّة واقعيّة طويلة من سرد ذاكرة المؤلّف تقع في 98 صفحة من الحجم المتوسّط. وتسجّل أحداثا دارت بربض باب سويقة أيّام الكفاح الوطني للتحرّر من المحتل. فهي، كما قال الأستاذ الحبيب بولعراس في مقدّمة الكتاب، « حكاية الحاكي وخرافة سهرة الشتاء الطويلة ومذكرة الجد للأحفاد، كتبت كما كانت تروى أو قد كتبت لتروى كما هي، ليس المهم فيها التركيب الزمني أو التدقيق، وإنّما المهم هو ذاك العالم المندثر الذي يهدف إلى إحيائه.»  وقد اعتبر المؤلّف أن سعيدا كان ضحيّة ولم يكن مناضلا.
      وقد حضر اللقاء ثلّة من الطلبة والباحثين في التاريخ وتحدّثوا عن الدور الجديد عند المؤرّخين في دراسة التاريخ بالاعتماد على القصص. وفي هذا الإطار طرحوا تساؤلا:  إلى أيّ مدى يمكن أن تكون للقصّة تعبيرا عن واقع نضال شخص ومنطقة؟
     وبينما اكتفت حنان القصدلّي بتوجيه تحيّة تقدير إلى الأستاذ الرشيد إدريس، طلبت الأديبة فاطمة سليم كشف بعض الأسرار حول انقسام القيادة التاريخية، زمن الحرب العالمية الثانية، في مسألة خيار التوجّه  نحو الحلفاء، فأعلمها أنّ الشعب التونسي في تلك الحقبة كان ميله إلى الألمان ماعدا بورقيبة الذي بعث من السجن رسالة إلى القيادة الميدانية توصي بالاتصال بالحلفاء. ولكن عند خروجه من السجن اتّصل هو أيضا بالألمان عبر سفيرها بتونس وسعى في تكوين حكومة بديلة للحكومة التي كوّنها المنصف باي لكي يكون هو المفاوض عند عودة الفرنسيين ولكنّه لم ينجح في مسعاه. وكانت نتيجة لتلك الفوضى أن اتّهم المنصف باي باطلا بتعاونه مع الألمان وهو الذي لم يتخذ قرارا بعد عندما أرسل له روزفلت رسالة يطلب فيها مساعدة جيوش الحلفاء.
     وبخصوص علاقة نصوصه بالدرامة، ذكر الأستاذ إدريس أنّه قدّم قصّته « السالي هرب » ، منذ سنوات، إلى المخرج المسرحي محمد إدريس بطلب من الأخير وإلى الآن لم يرها في دائرة الضوء.   


                                                                          فؤاد سيّالة
التعليقات (0)add
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy