تونس نادي القصّة :      مجلّة قصص الالكترونيّة      الإشراف الأدبي :      أحمد ممّو ، الناصر التومي ، يوسف عبد العاطي، محمد الجابلّي، نورالدين بن بلقاسم      الإشراف الفنّي :      فتحي البوكاري      البريد الالكتروني للمشرف الأدبي :      kissas.tn@gmail.com      البريد الإلكتروني للمشرف الفنّي :      fethi.boukari@gmail.com      جلسات النادي الأسبوعيّة :      كلّ يوم سبت على الساعة الرابعة بعد الزوال

القائمة الرئيسيّة

"الرواية السياسية في تونس" للهادي الغابري طباعة

 أحمد ممّو


"الرواية السياسية في تونسّ مقاربة تأليفية عن أحد أهمّ مضامين الرواية المكتوبة بالعربية في تونس، للأستاذ الهادي الغابري، وهي صادرة عن دار إشراق النشر (تونس، 2012) في 260 صفحة.
بعد التمهيد الذي برر فيه الكاتب اختياره للنماذج الروائية التي اعتمدها في دراسته، قسم المؤلف مقاربته التحليلية إلى ثلاثة فصول وخاتمة وأتبع كل فصل بهوامش مرجعية اعتمدت المتن الروائي موضوع الدراسة وما كتب عن هذا المتن من دراسات نشرت في الصحافة أو الدوريات المختصة.
وقد وضح الكاتب في التمهيد دوافع اختياره لمدونة روائية مقتصرة على "عواصف الخريف" لعبد الرحمان عبيد و"ألق التوبة" لمحمد الهادي بن صالح و"كان عرس الهزيمة" لحياة بن الشيخ و"دنيا" لمحمود طرشونة و"رأس الدرب" لرضوان الكوني لما في هذه الروايات من خصوصية الخوض في "المحظور السياسي والجنسي والديني: إذ أن هذه الروايات تعكس "رؤية جيل اكتوى بنار المحظورات الزجرية فأينما اتجه فثمة نهي وكبح وممنوعات وخطوط حمراء تحدّد حرية الفكر ومجالاته، فكانت هذه الروايات إنتاج التشكيل الفني لمادة الصراع بين القهر والحرية". وهو يرى فيها "محاولة لفهم العالم الروائي السياسي في تونس خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وهي فترة شهدت في تونس، تحولات سياسية (واجتماعية) مضطربة".

ويرى الكاتب أن أصحاب هذه الروايات لهم مواقف سياسية مختلفة عكستها كتاباتهم في شكل تعبير عن الرفض المتوتر حينا والهادئ حينا آخر، كما يبدو أحيانا احتجاجا مهادنا يكشف عن جوانب من الواقع المعيش، وهو في النهاية تشخيص لفساد السلطة السياسية وتشهير بأجهزة القمع والحدّ من الحريات الفردية والعامة، وذلك من خلال إبراز ازدواجية الخطاب السياسي ومواقف النماذج الاجتماعية المختلفة منه.
خصص الكاتب الفصل الأول من دراسته لتوضيح المتخيل الروائي والنقد السياسي من خلال المدونة الروائية المختارة مبرزا على وجه الخصوص مواقف النقد السياسي الصريح وكذلك مواقف النقد السياسي الضمني أو الإيحائي، مستنتجا من كل موقف ما يراه صدى للواقع السياسي الذي كانت تعيشه البلاد وما صاحب التحولات السياسية منذ الاستقلال، من تغيرات اجتماعية، كثيرا ما كانت – حسب وجهة نظر صاحب الرواية – موقفا من السياسة المعتمدة وشجب لها.
أمّا الفصل الثاني من هذه الدراسة فقد خصصه الكاتب للمتخيل الروائي والجنس، مركزا في البعض من الروايات المعتمدة على التوظيف السياسي للجنس وفي البعض الآخر على الوظيفة الفنية للجنس من خلال اللغة ومواقف الشخوص. وبقدر ما كان الفصل الأول واضح الملامح استفاد منه الكاتب لبلورة المواقف الاجتماعية والتحولات التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، بقي الفصل الثاني دون الغاية من لإبراز دور المشاهد الجنسية في كشف الدوافع الاجتماعية وفهم التهافت على توظيفها في الكتابة الروائية.
أما الفصل الثالث من الدراسة فهو مخصص للمتخيل الروائي والعلمانية بأبعادها التي يراها الكاتب في موقف الروائي الناقد أو الرافض للموروث الخرافي والممارسات الدينية المتأثرة بالمعتقدات الشعبية.
يستنتج الكاتب في خاتمة دراسته أن الرواية السياسية تكشف عن خفايا هامة من حياة المجتمع التونسي، رغم ما اقترن بتلك المواقف من محظور ومنع ورقابة، وهو ما تطلب من كتاب هذه الرواية مهارات فنية لفضح المستور والتشهير به دون استفزاز السلطة السياسية والدينية، وهو ما يمكن فهمه على أنه ردّ فعل عمّا تعرض له المبدع من تهميش وحصار للكلمة الحرة الجريئة. وهكذا استفادت الرواية في تونس من أساليب القص الحديث وعبرت عن مشاكل المجتمع الذي تعايشه واستطاعت أن تبلغ صورة عن تطلعات إنسان هذه الأرض.
هذه الدراسة التحليلية لنماذج منتقاة من الرواية التونسية الصادرة خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، تؤكد تجذر الأدب التونسي في بيئته الاجتماعية والحضارية وانفتاحه على تقنيات القص الحديث. وهي وإن اتخذت المنحى الوصفي التحليلي إلاّ أنها لا تغامر كثيرا في اتجاه الاستنتاج والتعليل، وتبقى في النهاية مقاربة جدية للنفاذ إلى أحد توجهات الرواية التونسية وتبين تطورها خلال فترة كانت فيها سياسة للبلاد قائمة على تهميش الصوت المخالف للسلطة.

أحمد ممّو

التعليقات (0)add
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy